أبي الفرج الأصفهاني

574

الأغاني

ابن سريج طبعه وظرفه وحلاوة منطقه خشي أن يأخذ غناءه فيغلبه عليه عند الناس ويفوقه بحسن وجهه وجسده ؛ فاعتلّ عليه ، وشكاه إلى مولياته ، وهنّ كنّ دفعنه إليه ليعلَّمه الغناء ، وجعل يتجنّى عليه ثم طرده ؛ فشكا ذلك إلى مولياته وعرّفهنّ غرض ابن سريج في تنحيته إيّاه عن نفسه ، وأنه حسده على تقدّمه ؛ تعلم النوح وكان ينوح للنساء في المآتم فقلن له : هل لك في أن تسمع نوحنا على قتلانا فتأخذه وتغنّي عليه ؟ قال : نعم فافعلن ، فأسمعنه المراثي فاحتذاها وخرّج غناء عليها كالمراثي ، وكان ينوح مع ذلك فيدخل المآتم وتضرب دونه الحجب ثم ينوح فيفتن كلّ من سمعه . ولما كثر غناؤه اشتهاه الناس وعدلوا إليه لما كان فيه من الشّجا [ 1 ] . فكان ابن سريج لا يغنّي صوتا إلا عارضه [ 2 ] الغريض فيه لحنا آخر . فلما رأى ابن سريج / موقع الغريض اشتدّ عليه وحسده ، فغنّى الأرمال والأهزاج فاشتهاها الناس ؛ فقال له الغريض : يا أبا يحيى ، قصّرت الغناء وحذفته ؛ قال : نعم يا مخنّث حين جعلت تنوح على أمّك وأبيك . قال إسحاق وحدّثني أبو عبيدة قال : لما غضب ابن سريج على الغريض فأقصاه وهجره لحق بحوراء وبغوم - جاريتين نائحتين كانتا في شعب ابن عامر بمكة ، ولم يكن قبلهما ولا بعدهما مثلهما - فرأتاه يوما يعصر عينيه ويبكي ؛ فقالتا له : ما لك تبكي ؟ فذكر لهما ما صنع به ابن سريج ؛ فقالتا له : لا أرقأ اللَّه دمعك ! ألزز رأسك [ 3 ] بين ما أخذته عنه وبين ما تأخذه منّا ، فإن ضعت بعدها فأبعدك اللَّه . عدّه جرير ضمن الأربعة المشهورين في الغناء قال إسحاق وحدّثني أبو عبد اللَّه الزّبيريّ قال : رأيت جريرا في مجلس من مجالس قريش فسمعته يقول : كان المغنّون بمكة أربعة ، فسيد مبرّز وتابع مسدّد ؛ فسألناه / عن ذاك ، فقال : كان السيّد / أبو يحيى بن سريج والتابع أبو يزيد الغريض [ 4 ] . وكان هناك رجل عالم بالصناعة فقال : كان الغريض أحذق أهل زمانه بمكة بالغناء بعد ابن سريج ، كان الناس لا يفرقون بينه وبين ابن سريج وما زال أصحابنا لا يفرقون بينهما لمقاربتهما في الغناء . قال الزّبيريّ وقال بعض أهلي : لو حكَّمت بين أبي يحيى وأبي يزيد لما فرّقت بينهما ، وإنما تفضيلي أبا يحيى بالسّبق ، فأمّا غير ذلك فلا ، لأنّ أبا يزيد عنه أخذ ومن بحره اغترف وفي ميدانه جرى ، فكان كأنّه هو ؛ ولذلك قالت سكينة لما غنّى الغريض وابن سريج : عوجي علينا ربّة الهودج / واللَّه ما أفرّق بينكما ، وما مثلكما عندي إلا كمثل اللؤلؤ والياقوت في أعناق الجواري الحسان لا يدرى أيّ ذلك أحسن .

--> - ويعطيها شهواتها . [ 1 ] الشجا : الحزن . [ 2 ] أي ناقضة وباراه فيه بلحن آخر يغنيه . ولم نجد عارض يتعدّى لمفعولين إلا فيما ورد من الحديث من « أن جبريل عليه السّلام كان يعارضه القرآن في كل سنة مرة وأنه عارضه العام مرتين » أي كان يدارسه جميع ما نزل من القرآن ، من المعارضة وهي المقابلة . [ 3 ] أي اجعل رأسك بينهما : تريدان بذلك أن يجمع بين ما أخذه عن ابن سريج وما سيأخذه عنهما . [ 4 ] يلاحظ أنه لم يذكر هنا إلا اثنين